المسخ الآخر: حين يصبح المبرر أكثر نجاحا من المثقف
في رواية «المسخ» لفرانز كافكا، يستيقظ جريجور سامسا ذات صباح

في رواية «المسخ» لفرانز كافكا، يستيقظ جريجور سامسا ذات صباح ليكتشف أنه تحول إلى حشرة هائلة، ومنذ تلك اللحظة يبدأ سقوطه: يفقد عمله، ومكانته داخل أسرته، ثم حقه في أن ينظر إليه بوصفه إنسانا.
أما مثقفنا، ولنتفق أن اسمه ديدي، فقد حدث له شيء أكثر غرابة، وأقل إثارة للشفقة: استيقظ ذات صباح ليكتشف أنه تحول إلى مبرر. ومنذ ذلك اليوم بدأت مكانته ترتفع.
كان ديدي مثقفا محترما، أو هكذا كان يظن. وكان ينام وقاموسه إلى جواره.
في ذلك القاموس كان القمع قمعا، والفساد فسادا، والفشل فشلا، ومخالفة المعايير الفنية مخالفة للمعايير الفنية، ثم استيقظ ذات صباح فوجد أن القاموس قد أعاد تربية نفسه.
القمع أصبح «إجراءات أمنية»، والفساد أصبح «اختلالات»، والفشل أصبح «تحديات»، ومخالفة المعايير الفنية أصبحت «ظروفا قاهرة». أما فشل منظومة الصرف الصحي، فقد وجد له القاموس تفسيرا أكثر ابتكارا: المواطن نفسه هو المسؤول، لأنه ترك قريته في الداخل، وجاء إلى نواكشوط دون أن يستشير أحدا.
أغلق ديدي القاموس، ثم فتحه مرة أخرى، كانت الكلمات في أماكنها، لكن معانيها لم تعد هناك.
جلس أمام حاسوبه وبدأ كتابة مقاله، كتب: «فشل في منظومة الصرف الصحي»، ثم توقف قليلا، وحذفها.
كتب: «تحديات تواجه منظومة الصرف الصحي»
ابتسم، فبدت الجملة أكثر أمانا.
في اليوم التالي، أعجبت المواقع الإخبارية بالمقال وتسابقت إلى نشره وبعد فترة قصيرة أصبح ديدي ضيفا دائما في القنوات الموالية، ثم جاءت العقود الإعلامية، ثم الدعوات، ثم صفقات التراضي، ثم الولائم، وبدأ دفتر هاتفه يمتلئ بأرقام كبار الموظفين ورجال الدولة والمال.
كان جريجور سامسا قد تحول إلى حشرة فخسر كل شيء، أما ديدي فقد تحول إلى مبرر فكسب امتيازات كبيرة، لكنه فقد تلك النبرة الصغيرة التي كانت تسكن مقالاته؛ النبرة التي تجعل القارئ يشعر أن وراء الكلمات رجلا لا يزال قادرا على الاعتراض.
ظل ديدي يكتب بلغة سليمة، ويستشهد بالمراجع، ويتحدث عن الحكامة والإصلاح والمصلحة العامة، لم تتدهور لغته، ولم يفقد قدرته على الاستشهاد، ولم يتوقف عن الحديث عن القيم، لكن مقالاته بدأت تشبه أبوابا مفتوحة على غرفة فارغة.
وكان الغريب أن أحدا لم يلاحظ ذلك.
ثم توالت الأيام والليالي، وذات ليلة، استيقظ ديدي قبل الفجر بقليل. لم يعرف لماذا، لكنه شعر أن شيئا ما تغير في الغرفة، مد يده إلى القاموس، ففتحه.
كانت الكلمات هذه المرة أقل تهذيبا.
بحث عن كلمة «الضمير».
لم يجدها.
قلب الصفحات مرة، ثم مرتين. بحث عن «الاعتراض»، ثم عن «الحق»، ثم عن «الخوف». كانت الكلمات موجودة، لكن بعضها فقد تعريفه، وبعضها أحيل إلى كلمات أخرى، وبعضها انتهى إلى صفحة لا تحتوي إلا على فراغ.
ثم اكتشف شيئا لم ينتبه إليه من قبل.
كان في آخر القاموس باب ضيق لا تراه العين بسهولة، خلف مجموعة من الكلمات التي طالما استخدمها في مقالاته: «المصلحة العامة»، «الاستقرار»، «الحكامة»، «الواقعية».
وجد سردابا، لم يعرف إلى أين يؤدي، لكنه عرف شيئا واحدا: أنه دخل إليه منذ فترة، حين حذف أول كلمة لم تعجبه،
دخل إلى سرداب منحدر يصعب الخروج منه!
فالحي القديم الذي عاش فيه أيام الثقافة الأولى لم يعد يناسبه، والحي الجديد الذي يسكنه الآن لا يسأله أين كان؟ عائلته اعتادت مستوى آخر من الحياة، وهاتفه امتلأ بأرقام لا يستطيع أن يخسرها، وأصبح الرجوع إلى الوراء يحتاج إلى شجاعة أكبر من تلك التي احتاجها أيام الانحدار.