سؤال أطار من المختار إلى غزواني: أي موريتانيا نريد؟

في مدينة أطار مساء اليوم أعاد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ ا

سؤال أطار من المختار إلى غزواني: أي موريتانيا نريد؟
سؤال أطار من المختار إلى غزواني: أي موريتانيا نريد؟

في مدينة أطار مساء اليوم أعاد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الواجهة سؤالا قديما، لكنه لم يفقد شيئا من راهنيته: أي موريتانيا نريد؟
كان المختار ولد داداه، رحمه الله، قد طرح السؤال نفسه في أطار، قبل أن تصبح موريتانيا التي نعرفها اليوم دولة لها حدود ومؤسسات وتجربة وتاريخ وأجيال.
لم يكن السؤال يومها سؤال رجل عن مشروع سياسي عابر، وإنما كان سؤال جيل كامل عن وطن كان لا يزال في طور التكوين.
اليوم تغيرت أشياء كثيرة.
تضاعف السكان خمس مرات، واتسعت المدن، وتغيرت وسائل الحياة، وتبدلت علاقة الناس بالدولة، وتطورت المؤسسات، وارتفعت سقوف المطالب، ودخلت موريتانيا، شئنا أم أبينا، في عالم سريع لا يمنح الدول كثيرا من الوقت للتردد.
ومع ذلك بقي السؤال.
بل لعله أصبح أشد إلحاحا.
أي موريتانيا نريد؟
وأي دولة نريد لأبنائنا؟
وأي عقد يستطيع أن يجمع بين شعب تتعدد فيه التطلعات وتزداد فيه الحاجة إلى دولة عادلة وقوية وقادرة على الاستجابة؟
هنا بالضبط تكتسب عبارة الرئيس عن «تحيين الإجابة» معناها.
فالحديث عن تحيين الإجابة لا يعني اجتراح سردية جديدة، ولا إعادة تعريف الوطن، ولا العبث بما قامت عليه الجمهورية من أسس وهوية ومرجعيات؛ وإنما يعني أن السؤال القديم يحتاج إلى إجابات جديدة كلما تغيرت حياة الناس.
وهذه سنة الدول الحية.
الدولة التي لا تسأل نفسها من حين إلى آخر: أين نحن؟ وإلى أين نمضي؟ وماذا تغير حولنا؟ وما الذي تغير فينا؟ تصبح مثل المسافر الذي يحفظ الطريق القديم، لكنه لا ينتبه إلى أن الطريق نفسه قد تغير.
وموريتانيا تغيرت.
تغيرت بما أنجزته، وتغيرت بما أخفقت فيه، وتغيرت بما تراكم عليها من تجارب، وتغيرت أيضا بما أحاط بها من عالم لم يعد يسمح لكيان، أن يعيش بمعزل عن ما يمور حوله.
وموريتانيا تعرضت منذ قيامها لهزات كثيرة.
أحيانا كانت الهزة من الداخل، وأحيانا كانت الرياح تأتي من خارج الحدود، وأحيانا كانت الأزمة اقتصادية، وأحيانا اجتماعية أو سياسية أو أمنية.
لكن الدولة بقيت.
وهذا البقاء ليس من صناعة جيل واحد.
هو ثمرة جهد تراكمي طويل، ساهم فيه رجال الدولة والسياسة والعلم والإدارة والجيش والمجتمع، وأجيال من المواطنين حمل كل منها نصيبه من أعباء المرحلة.
ومن هنا فإن الحديث عن المستقبل يحتاج شيئا من الوفاء للماضي، وشيئا أكبر من الشجاعة في النظر إلى الحاضر.
فليس كل ما ورثناه صالحا كما هو، وليس كل ما نحتاجه اليوم كان مطلوبا بالأمس.
وهنا يبدأ الحوار.
ولعل الرئيس كان واضحا حين قال إن الحوار المرتقب ينبغي أن يكون شاملا وجادا، وألا يخضع لمحظورات أو إملاءات، وأن تأتي مخرجاته من رحم مداولاته.
هذا ليس تفصيلا عابرا في خطاب أطار.
الحوار الذي تعرف مخرجاته قبل بدايته لا يحتاج إلى كثير من الحوار، والحوار الذي يخشى السؤال لا يستطيع أن يصنع جوابا جديدا.
موريتانيا تحتاج اليوم إلى أن تسأل نفسها عن أشياء كثيرة.
تحتاج أن تسأل عن التعليم، باعتباره المصنع الذي يخرج منه مستقبل البلد.
وتحتاج أن تسأل عن الشباب، باعتبارهم الكتلة الأكبر من المجتمع، والأكثر اتصالا بالعالم، والأقل صبرا على الانتظار.
وتحتاج أن تسأل عن الاقتصاد.
لدينا الحديد والذهب والسمك والغاز، ولدينا الأرض والماء حين نحسن إدارة مواردهما، ولدينا الشمس والرياح وموقع جغرافي يمكن أن يكون بابا واسعا إلى أسواق ومجالات جديدة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: كم لدينا من الثروات؟
السؤال هو: ماذا فعلنا بهذه الثروات؟
وكم فرصة عمل صنعت؟
وكم مدرسة ومستشفى وطريقا ومصنعا ومؤسسة إنتاجية نشأت من حولها؟
وكم مواطنا استطاع أن يرى مستقبله هنا، بدلا من أن يراه خلف البحر؟
هذه بعض الأسئلة التي ينبغي أن تخرج من أوراق الاقتصاد إلى قلب الحوار الوطني.
ثم هناك الإدارة.
تلك الآلة التي يلتقي بها المواطن كل يوم، في المدرسة والمستشفى ومركز الوثائق والبلدية والمحكمة والميناء والإدارة المركزية.
الدولة القوية تبدأ من مكتب صغير، ومن موظف يعرف مسؤوليته، ومن قانون يطبق، ومن ملف لا يضيع، ومن خدمة تصل في وقتها.
الهيبة الحقيقية للدولة تصنعها قدرتها على إنجاز الأشياء الصغيرة التي يراها المواطن كل يوم.
وهناك سؤال العدالة والإنصاف.
وهو سؤال قديم في موريتانيا، لكنه ما يزال حاضرا.
كيف يشعر المواطن أن فرصته في وطنه لا تتوقف على الجهة التي جاء منها، ولا على قوة من يعرفه، ولا على قدرته على الوصول إلى مراكز النفوذ؟
وكيف تصبح المساواة أمام القانون ممارسة يومية يشعر بها الناس، لا مادة نتغنى بها في الأناشيد؟
وكيف تصل التنمية إلى حيث ينتظرها الناس، لا حيث تكون الطرق إليها أسهل؟
الرئيس تحدث في أطار عن نصيب عادل للمواطن من إمكانات وطنه، وعن جعل الحاجات المحلية جزءا من صناعة القرار التنموي، وعن توزيع أكثر إنصافا للاستثمارات. وهذه عبارات تتصل مباشرة بالسؤال الذي حمله معه إلى آدرار: كيف يشعر المواطن أن الدولة تنظر إليه حيث يوجد، لا حيث يكون الوصول إليه سهلا؟
ثم هناك الوحدة الوطنية، وما أدراك ماهي؟ هي من تلك القضايا التي كثيرا ما أفسدها الإفراط في الحديث عنها، حتى صارت أحيانا شعارا أكثر منها مشروعا يوميا.
الوحدة لا تعني أن يتطابق الناس.
الوحدة تعني أن يختلفوا وهم يعرفون أن الوطن واحد.
أن تتعدد الآراء ولا تتعدد الأوطان.
أن يختلف السياسيون دون أن يتحول اختلافهم إلى خصومة بين المواطنين.
وأن يشعر كل مكون، وكل منطقة، وكل أسرة، وكل شاب، أن له مكانا في صورة موريتانيا التي تتشكل أمامنا.
وهذا هو المعنى الأعمق لعبارة «رباط المواطنة» التي تحدث عنها الرئيس.
لكن موريتانيا لا تواجه أسئلتها من الداخل وحده.
نحن في منطقة الساحل.
وهذه وحدها جملة تختصر كثيرا من الكلام.
من حولنا دول تواجه اضطرابات أمنية متواصلة، وحدود طويلة، وحركة سكان، ومخاطر عابرة للحدود، وتغيرات مناخية، وضغوطا اقتصادية وأمنية لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
وقد استطاعت موريتانيا خلال السنوات الماضية أن تحافظ على مستوى من الاستقرار الأمني في محيط مضطرب، لكن الاستقرار نفسه يحتاج إلى يقظة مستمرة، وإلى اقتصاد قوي، وإلى مؤسسات متماسكة، وإلى جبهة داخلية تعرف كيف تختلف دون أن تتصدع.
وهنا نعود مرة أخرى إلى السؤال الأول.
فالدولة التي تريد أن تصمد أمام الخارج تحتاج إلى أن تكون متماسكة في الداخل.
والاقتصاد الذي يريد أن يتحمل الصدمات يحتاج إلى تنويع.
والتنمية التي يراد لها أن تستمر تحتاج إلى إنسان متعلم.
والحوار الذي يراد له أن ينتج توافقا يحتاج إلى صدق.
والسياسة التي يراد لها أن تخدم الوطن تحتاج إلى أن تتذكر أن الوطن أطول عمرا من السياسيين جميعا.
ربما لهذا كان لاستدعاء المختار ولد داداه في أطار مشروعيته في بناء القضية وصياغة السردية.
وكان استدعاؤه استدعاء للسؤال الأول.
ذلك السؤال الذي طرحه جيل التأسيس، ثم حملته الأجيال من بعده، وكل جيل أضاف إليه شيئا من تجربته، وترك للذي بعده شيئا من أسئلته.
واليوم جاء دور جيلنا.
نحن الذين ورثنا الدولة وهي في مرحلة أكثر نضجا، وورثنا معها أخطاءها وإنجازاتها، ومشكلاتها وإمكاناتها، علينا أن نجيب.
نريد مدرسة أفضل، ومستشفى أفضل، وماء، وكهرباء، وطريقا، وإدارة فعالة، وفرصة عمل، وعدالة يشعر بها الناس، واقتصادا يستفيدون من ثرواته، وشبابا يجد في وطنه ما يغنيه عن البحث الدائم عن وطن بديل.
ونريد فوق ذلك كله دولة تعرف أن قوتها ليست في كثرة ما تقول عن نفسها، وإنما في مقدار ما يستطيع المواطن أن يلمسه من حضورها في حياته.
هذا، في ظني، هو الامتحان الحقيقي للحوار المقبل.
أن يستطيع أن يقترب من الأسئلة التي نعرفها جميعا، ونتحدث عنها أحيانا، ونختلف حولها كثيرا، ثم نعود فنتركها معلقة في الهواء.
أن يضع التعليم على الطاولة.
والتشغيل.
والعدالة.
والإدارة.
والوحدة الوطنية.
والاقتصاد.
والحوكمة.
وموقع الشباب.
ومستقبل الدولة في محيط إقليمي لا يمنح أحدا ضمانات دائمة.
فإذا فعل ذلك، يصبح الحوار جزءا من بناء الدولة.
وإذا بقي في حدود الكلمات، أضاف إلى أرشيف الحوارات حوارا آخر.
سأل المختار ولد داداه، في أطار، عن موريتانيا التي يريدها أبناء ذلك الزمن.
واليوم يسأل غزواني من أطار نفسها السؤال نفسه، بعد نحو سبعة عقود، وقد تغيرت البلاد وتغير أهلها وتغير العالم من حولها.
السؤال واحد.
أما الإجابة، فعلى جيلنا أن يكتبها.
وكل جيل يملك فرصة واحدة على الأقل ليقول للتاريخ: ماذا فعل حين وصلته أمانة الوطن؟
موريتانيا التي نريدها لا تحتاج إلى أن تتنكر لما كانت عليه، ولا إلى أن تتوقف عند ما كانت عليه.
تحتاج إلى أن تعرف من أين جاءت، وأن ترى بوضوح أين تقف، وأن تمتلك شجاعة النظر إلى الطريق الذي أمامها.
وهذا هو معنى السؤال حين يعود بعد كل هذه السنين:
أي موريتانيا نريد؟
فقد تغيرت موريتانيا كثيرا...
أما مسؤولية الإجابة، فما تزال علينا.